الحكيم الترمذي
40
غور الأمور
يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً « 1 » . إنما قال المطمئنة لأن النفس الباطنة إذا قمعت ، وسجنت ، ووقى شحها ؛ ضعفت ، وخمدت نيرانها ، وسكنت الظاهرة ، واطمأنت من اقتارها ، ووقعت في راحة . ألا ترى إلى قول اللّه عز وجل وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ « 2 » فهاتان النفسان ظاهرة ، وباطنة كما وصفناه من شأنهما وهما مرتبتان عظيمتان ، وبينهما تفاوت وتفاضل . وهما خارجتان من تلك الحيطان كلها ، والخنادق التي وصفنا وفيه أشياء ما لا يقدر وصفه مخافة طول الكتاب . باب صفة النفس الباطنة : فأما النفس الباطنة فإن جوهرها من أخس التراب ، وأدناها وأخشنها ، وذلك أنها من موضع موطئ إبليس ومرتكضه « 3 » ومتخطاه وممشاه ؛ إذ كان فيها ملكا ورئيسا بقي الأرض « 4 » في
--> ( 1 ) سورة الفجر الآيتان 27 - 29 . والنفس المطمئنة هي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق ؛ فيقال لها يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ أي إلى جواره وثوابه وما أعد لعباده في جنته راضِيَةً أي في نفسها مَرْضِيَّةً أي قد رضيت عن اللّه ، ورضى عنها ، وأرضاها فَادْخُلِي فِي عِبادِي أي في جملتهم وَادْخُلِي جَنَّتِي وهذا يقال لها عند الاحتضار ، وفي يوم القيامة أيضا ، كما أن الملائكة يبشرون المؤمن عند احتضاره ، وعند قيامه من قبره . ( 2 ) سورة الحشر : الآية 9 . ( 3 ) الركض : من ركض ركضا ، وركضه : ضرب برجله ، وفي التنزيل الحكيم ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ سورة ص آية 42 . ( 4 ) بقي الأرض لعل المراد به البقاء والثبوت ، وهذا ما ينسجم مع السياق ، ومع المعنى اللغوي للكلمة .